محمد ابو زهره

1025

خاتم النبيين ( ص )

مسلما معلنا إسلام من وراءه من أتباعه في اليمن ، ورأي فيه النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم خيرا ، فدعا له بخير ، وقال في دعائه : « اللهم بارك في وائل وولده ، وولد ولده » . وعلي طريقة النبي صلي اللّه تعالي عليه وسلم جعله واليا على الأقيال من حضر موت ، وكتب كتبا بهذه الولاية ، وكما يقول الحافظ ابن كثير ، منها كتاب إلي المهاجر بن أمية ، وكتاب إلي الأقيال والعباهلة . ولقد أقطعه رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم أرضا من أرض الجنوب وهو إقطاع منفعة ، لا إقطاع ملك ، علي مال يقدمه لبيت المال . وذلك لأن هذه أراض نائية عن أراضي المدينة المنورة ، فلا يمكن أن يشرف عليها الإمام بالمدينة المنورة بنفسه ، فيعطيها من يديرها ، علي خرج يقدمه ، كأجرة لها ، أو يكون من بعضها . ولما انصرف من حضرة النبي صلي اللّه تعالى عليه وسلم أرسل معه معاوية بن أبي سفيان ، وسارا في هذه الشقة البعيدة وهو راكب ، ومعاوية راجل ، فشكا معاوية حر الرمضاء ، فقال في شكواه . انتعل ظل الناقة ( أي لا ظل لها يستظل بها ) ويغني عني ذلك ، لو جعلتني ردفا . فقال وائل : اسكت ، فلست من أرداف الملوك . ولعل النبي صلي اللّه تعالى عليه وسلم أرسله مع ذلك القيل العنيف ، ليري معاوية إذلال الملوك لمن معهم ، فيكون رفيقا عندما يحول الخلافة إلي ملك عضوض ، ويسير سير الملوك . ومن العبر أن وائلا هذا عاش حتى آل الأمر إلي معاوية ، وجعله ملكا عضوضا ، يعض عليه بالنواجذ ، يروى أن وائلا قدم علي معاوية ، وهو علي هذه الحال ، فعرفه معاوية وقربه وذكره بالرحلة التي كانت لهما ، ثم عرض عليه جائزة سنية ، فأبى أن يأخذها ، وقال : أعطها لمن هو أحوج إليها مني . وإن ذلك الرد عندي أعنف من رده عندما طلب أن يردفه ، لأن مؤدي هذا الرد ، أنك تعطي لتقرب وتدني ، وتسكت الألسنة ، ولتعالى اسمك بين الناس ، والأولى بالعطاء المحتاج ، وإن ذلك شأن الذين يبنون حكمهم علي شراء الألسنة ، وإدناء ذوي السلطان ، وعدم الالتفات إلي بر المحتاجين والضعفاء والمساكين يجعلون عطاياهم اتجارا ، وصدقاتهم افتخارا .